محمود سالم محمد
65
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
ولم ينقطع الجن عن إخبار العرب عن أحوال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد بعثته ، ولم يقف عند دعوتهم إلى الإيمان به ، بل ظل يعلمهم بأحواله أولا بأول ، إلى أن توفاه اللّه تعالى ، فإذا الهواتف تنعي إليهم الرسول الكريم ، كما حدّث أبو ذؤيب « 1 » ، فقال : « بلغنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليل ، فاستشعرت حزنا ، وبتّ بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها ، ولا يطلع نورها ، فظللت أقاسي طولها ، حتى إذا قرب السحر أغفيت ، فهتف بي هاتف ، وهو يقول : خطب أجلّ أناخ بالإسلام * بين النّخيل ومعقد الآطام قبض النّبيّ محمّد فعيوننا * تذري الدّموع عليه بالتّسجام » « 2 » وهكذا حام الشك قديما وحديثا حول كثير من شعر زمن البعثة ، ومن الشعر المتعلق بالنبي الكريم وهذا ما يجعل الباحث حذرا في التعامل مع هذا الشعر ، حتى لا يخرج بنتائج مبنية على شواهد مشكوك بنسبتها إلى أصحابها وعصرها ، فلا ينكر الشعر جملة ، ولا يأخذه على عواهنه ، وله فيما وثقه الرواة ، واطمأنت إليه نفسه مادة جيدة دالة ، تعصمه من أن يضل في هذا الكم الشعري الكبير الذي حملته كتب السيرة والتاريخ . فقصيدة من أشهر قصائد المديح النبوي وأوثقها ، هي بردة كعب بن زهير ، داخلها التزيد فلاحظ محقق شرحها ( الزبدة ) أن الشارح كان يشك في بعض أبيات البردة ، و « أن شكه هذا جعله يهمل جزآ في ختام القصيدة المذكورة ، وهو سبعة أبيات أضافها الشراح المتأخرون رغبة في التبرك والإكثار من الصلاة والسلام على الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم » « 3 » .
--> ( 1 ) أبو ذؤيب الهذلي : خويلد بن حرّث ، شاعر فحل مخضرم ، شارك في الغزو والفتوح ، وعاش إلى أيام عثمان ، مات بمصر نحو ( 27 ه ) . بعد عودته من فتح أفريقيا ، وفد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة وفاته ، فأدركه وهو مسجى ، وشهد دفنه ، له ديوان شعر الأصفهاني : الأغاني 6 / 264 . ( 2 ) العباسي : معاهد التنصيص 2 / 165 . ( 3 ) الغزي : الزبدة في شرح البردة ص 4 .